من 600 إلى 7 آلاف جنيه للدولار.. إبراهيم البدوي يكشف لماذا ينهار الجنيه السوداني؟
إبراهيم البدوي يحذر من انهيار الجنيه السوداني.. هل يسير السودان نحو سيناريو الكونغو؟
الخرطوم – 10 سبتمبر 2026
حذّر الاقتصادي السوداني إبراهيم البدوي من استمرار تدهور قيمة الجنيه السوداني في ظل الحرب، معتبراً أن محاولات تثبيت سعر الصرف لن تكون كافية ما لم تتوقف العوامل الاقتصادية والسياسية التي تغذي انهيار العملة.
وفي تحليل اقتصادي جديد، قارن البدوي بين الوضع في السودان وتجربة جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال الحرب الكونغولية الثانية، محذراً من أن استمرار الحرب وتفتت مؤسسات الدولة وفقدان الإيرادات من النقد الأجنبي قد يقود إلى مزيد من الانهيار في قيمة العملة.
ويرى البدوي أن أزمة الجنيه السوداني ليست مجرد مشكلة مرتبطة بسعر الصرف أو السياسات النقدية، وإنما انعكاس مباشر لأزمة اقتصادية أوسع خلقتها الحرب.
من 600 جنيه إلى أكثر من 7 آلاف للدولار
وأشار البدوي إلى أن سعر الدولار في السودان ارتفع، وفق تقديراته، من أقل من 600 جنيه سوداني عند اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى أكثر من 7 آلاف جنيه للدولار بحلول سبتمبر 2026.
وبحسب تحليله، يعني ذلك أن الجنيه السوداني فقد أكثر من 90% من قيمته الخارجية خلال فترة الحرب.
ويرى البدوي أن هذا التراجع الحاد لا يمكن تفسيره فقط بزيادة الطلب على الدولار، بل يرتبط بتراجع الإنتاج والصادرات، وتآكل الإيرادات الحكومية، وتزايد الإنفاق العسكري، إلى جانب تراجع الثقة في قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد.
لماذا استشهد البدوي بتجربة الكونغو الديمقراطية؟
يستند البدوي في تحليله إلى تجربة جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال الحرب الكونغولية الثانية التي بدأت عام 1998.
ويشير إلى أن البلاد شهدت آنذاك انقساماً في السيطرة على الأراضي والمعابر الحدودية ومناطق التعدين وطرق التجارة، بين الحكومة المركزية والحركات المسلحة المدعومة من أطراف إقليمية.
وبحسب المقارنة التي يقدمها، أدى هذا التفكك إلى تراجع قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات، في الوقت الذي ارتفعت فيه النفقات العسكرية، بينما تحولت الموارد الطبيعية، خاصة المعادن، إلى مصادر لتمويل اقتصاد الحرب.
ويرى البدوي أن هذه التجربة تقدم درساً مهماً للسودان، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة بين الحرب وتفتت الدولة وانهيار العملة.
4 قنوات تدفع الجنيه السوداني نحو مزيد من التراجع
حدد البدوي في تحليله أربع قنوات رئيسية يرى أنها تعمل معاً على إضعاف الجنيه السوداني:
1. تراجع الإنتاج والنقد الأجنبي
أوضح أن الحرب أدت إلى تدمير قطاعات إنتاجية وتعطيل الأسواق وسلاسل الإمداد والتجارة، إلى جانب تضرر الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية والبنية التحتية المصرفية.
كما أشار إلى أن الصعوبات الأمنية على طرق التجارة والصادر أدت إلى تراجع تدفقات النقد الأجنبي.
وأضاف أن جزءاً من عائدات الذهب أصبح، وفق تحليله، يتسرب خارج الاقتصاد الرسمي، ما يقلل الموارد المتاحة للدولة.
2. الأزمة المالية وتمويل الإنفاق
يرى البدوي أن الحرب أضعفت القاعدة المالية للدولة في الوقت الذي زادت فيه احتياجات الإنفاق العسكري.
ومع محدودية التمويل الخارجي وتراجع الإيرادات الضريبية، يشير إلى أن تمويل العجز عبر الاقتراض من البنك المركزي يؤدي إلى زيادة عرض النقود، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على سعر الصرف ويرفع مستويات التضخم.
3. انهيار الثقة في العملة
ويعتبر البدوي أن الثقة أصبحت عاملاً أساسياً في تحديد قيمة الجنيه.
فبحسب تحليله، لا يحتاج المواطن أو الشركات إلى انتظار زيادة فعلية في كمية النقود حتى يبدأ الضغط على الجنيه؛ إذ يمكن أن تؤدي توقعات استمرار الحرب أو اتساع الانقسام أو تراجع سيطرة الدولة إلى دفع الناس لتحويل مدخراتهم من الجنيه إلى الدولار والذهب والسلع والعملات الأجنبية.
4. التفتت المؤسسي والنقدي
يرى البدوي أن الحرب تدفع السودان أيضاً نحو حالة من التفتت النقدي والمؤسسي، مع اختلاف توفر السيولة وقبول الأوراق النقدية من منطقة إلى أخرى.
وأشار إلى استمرار عمل تطبيق «بنكك» في بعض المناطق، بالتزامن مع ظهور ترتيبات دفع أخرى في المناطق الخاضعة لسلطات مختلفة، معتبراً أن هذه التطورات تشبه، من وجهة نظره، مرحلة التعدد المؤسسي التي شهدتها الكونغو خلال الحرب.
أرقام صادمة عن الاقتصاد السوداني
ويستند البدوي إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية لدعم تحليله، مشيراً إلى أن الاقتصاد السوداني شهد انكماشاً كبيراً منذ اندلاع الحرب.
ومن أبرز الأرقام التي أوردها:
- انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 40 إلى 50% خلال سنوات الحرب منذ 2023، وفق تقديرات دولية وإقليمية أشار إليها.
- انخفاض الإيرادات الحكومية إلى نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
- استمرار العجز المالي عند أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
- ارتفاع عرض النقود بنحو 75% خلال عام 2025، بحسب البيانات التي يستند إليها التحليل.
- وصول متوسط التضخم السنوي إلى أكثر من 111% خلال الأعوام 2023–2025.
- تراجع الصادرات من نحو 4.4 مليار دولار في 2022 إلى نحو 2.64 مليار دولار في 2025.
- ارتفاع عجز الحساب الجاري في 2025 إلى نحو 4.3 مليارات دولار.
ملاحظة تحريرية: هذه الأرقام وردت ضمن تحليل إبراهيم البدوي، ولذلك من الأفضل عند نشرها إبقاؤها منسوبة إليه أو إلى المصادر التي استند إليها، وعدم تقديمها كبيانات مستقلة من «أفريقيا بالعربي» ما لم يتم التحقق منها من مصادرها الأصلية.
هل يمكن تثبيت الجنيه دون إنهاء الحرب؟
يصل البدوي في تحليله إلى خلاصة رئيسية مفادها أن استقرار سعر الصرف بصورة مستدامة لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار تدمير الأسس الاقتصادية للعملة.
ويرى أن إجراءات مثل القيود على الصرف، وحظر بعض الواردات، وتحديد أسعار إدارية للعملات، والحملات ضد تجار العملة قد تحقق تأثيراً مؤقتاً، لكنها لن تعالج جذور الأزمة إذا استمر تراجع الإنتاج والصادرات وتزايد الإنفاق المرتبط بالحرب.
ويضيف أن السياسات الاقتصادية تظل مهمة، وأن سوء إدارة العجز والفساد يمكن أن يزيدا من آثار الحرب، لكن معالجة هذه العوامل وحدها لن تكون كافية، بحسب تحليله.
«إنهاء الحرب شرط لاستقرار الجنيه»
ويستشهد البدوي بالتجربة الكونغولية للدلالة على أن التحسن المستدام في سعر الصرف جاء مع التسوية السياسية واستعادة الإدارة الاقتصادية الموحدة.
وبناءً على ذلك، يرى أن إنهاء الحرب في السودان لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد جزء من برنامج اقتصادي لتثبيت سعر الصرف، بل باعتباره شرطاً أساسياً لاستعادة استقرار العملة والاقتصاد.
ويخلص إلى أن أي محاولة لتثبيت الجنيه السوداني دون معالجة الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي قد تعالج أعراض الأزمة مؤقتاً، بينما تظل الأسباب الأساسية لانهيار العملة قائمة.
الخلاصة
الرسالة الأساسية في تحليل إبراهيم البدوي هي أن أزمة الجنيه السوداني ليست أزمة عملة فقط؛ بل هي، في نظره، نتيجة مباشرة لتداخل الحرب مع تراجع الإنتاج والصادرات والإيرادات، وتزايد الإنفاق، وتراجع الثقة، وتفتت مؤسسات الدولة.
ومن هنا تأتي المقارنة مع الكونغو الديمقراطية باعتبارها تحذيراً من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يجعل مهمة إعادة بناء الاقتصاد واستعادة قيمة العملة أكثر صعوبة وتعقيداً.
مصدر الخبر: المشهد السوداني
افريقيا بالعربي

الانضمام إلى المحادثة