لغة المصالح ولغة العداء (1): هل يعرف السودان ماذا يريد من الخارج؟

مقال رأي بقلم عبد الله أبوهم يناقش علاقة السودان بالقوى الإقليمية والدولية، ويطرح الانتقال من لغة العداء والمحاور إلى سياسة خارجية تقوم على المصالح وا

 

غلاف مقال لغة المصالح ولغة العداء بقلم عبد الله أبوهم حول مصالح السودان والعلاقات الإقليمية والدولية

لغة المصالح ولغة العداء (1)

قراءة في تحركات الدول تجاه السودان بين المصالح والصراع

بقلم: عبد الله أبوهم

قبل اندلاع حرب 15 أبريل، وبعيد الاستقلال، وانتظام الانقلابات العسكرية بصورة راتبة، ظل السودان يعيش أزمة دولة لم تستطع منذ نشأتها الحديثة أن تؤسس علاقة مستقرة بين السلطة والمجتمع، ولا أن تحدد بصورة واضحة موقعها من محيطها الإقليمي والدولي.

وجاءت ثورة ديسمبر لتكشف للسودانيين جانباً كبيراً من المتآمرين على الثورة، وعلى هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية، كما كشفت أن أزمة السودان ليست داخلية بالكامل، وأن الدور الخارجي في إعادة إنتاج الأزمات السياسية والعسكرية يعود إلى مراحل بعيدة من تاريخ السودان الحديث.

وهنا تبرز مسألة شديدة الأهمية:

هل تتحرك الدول تجاه السودان بلغة الصداقة والعداء، أم بلغة المصالح؟

فالسياسة الدولية في جوهرها لا تعرف الصداقة الدائمة ولا العداء الدائم، وإنما تعرف المصالح الدائمة. وما يبدو في لحظة ما تحالفاً استراتيجياً قد يتحول إلى تنافس، وما يبدو عداءً قد يتحول إلى تفاهم عندما تتقاطع المصالح.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من العلاقة المصرية السودانية.

مصر والسودان: من لغة التاريخ إلى لغة المصالح

مع انكشاف الخلل في العلاقة بين مصر والسودان، وغياب الندية في كثير من مراحل التاريخ السياسي الحديث، برز لدى قطاعات واسعة من السودانيين شعور بأن الرؤية المصرية للسودان تقوم على اعتبارات الأمن القومي المصري أكثر مما تقوم على مفهوم الشراكة المتكافئة.

وقد ارتبط ذلك بمفهوم «الحديقة الخلفية»، وبالنظر إلى السودان باعتباره امتداداً للأمن المصري، وباعتبار أن أمن مصر المائي والغذائي والجغرافي يتجاوز أحياناً إرادة السودان وموارده وسيادته.

هذه القراءة، سواء اتفق معها المرء أو اختلف، أسهمت في إعادة طرح سؤال جوهري:

هل تنظر مصر إلى السودان باعتباره دولة شقيقة ذات مصالح مستقلة، أم باعتباره مجالاً حيوياً للأمن القومي المصري؟

والحقيقة أن الإجابة لا يمكن اختزالها في شعار سياسي واحد، لأن الدولة المصرية، مثلها مثل أي دولة إقليمية، تتحرك وفق حسابات أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية وموقعها الجغرافي.

فمصر دولة ذات رؤية استراتيجية متراكمة، وفي قلب هذه الرؤية الدور الإقليمي الذي ظلت تلعبه في المحيط العربي والأفريقي منذ منتصف القرن العشرين.

وقد ساهمت عوامل عديدة في تكريس هذا الدور، منها موقع مصر الجغرافي، وثقلها السكاني والثقافي، ودور الأزهر الشريف، والقضية الفلسطينية، وحرب السويس عام 1956، فضلاً عن كونها نقطة اتصال بين العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر.

لكن العالم تغير

فانحسار المد القومي العربي، وتراجع الدور المصري في القضية الفلسطينية بعد اتفاق كامب ديفيد، ونهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود قوى إقليمية جديدة، وتزايد الاهتمام الدولي بأفريقيا، كلها عوامل دفعت مصر إلى إعادة تعريف أدوات نفوذها.

ولم يعد النفوذ يُبنى فقط عبر السياسة والدبلوماسية، بل أصبح الاستثمار والطرق والموانئ والطاقة والزراعة والأمن والغذاء والمياه والقواعد العسكرية أدوات متكاملة لصناعة النفوذ.

وهنا تبدأ لغة المصالح في الظهور بوضوح.

أفريقيا لم تعد هامشاً في السياسة الدولية

يشهد العالم اليوم تنافساً متزايداً على أفريقيا.

فالقارة لم تعد مجرد سوق للمواد الخام، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الطاقة والغذاء والمعادن النادرة والممرات التجارية والأسواق الجديدة.

كما أن حاجة أفريقيا إلى الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة ومشروعات المياه والتصنيع تجعلها واحدة من أكبر ساحات الاستثمار في القرن الحادي والعشرين.

ومن هنا جاءت المنافسة الصينية والأمريكية والأوروبية والروسية والتركية والخليجية والمصرية وغيرها.

وطريق الحرير والمشروعات الصينية في أفريقيا ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، وإنما جزء من إعادة تشكيل طرق التجارة والنقل والتمويل في العالم.

وفي المقابل، فإن الدول الإقليمية تحاول ألا تترك هذه الساحة خالية من نفوذها.

ومصر واحدة من الدول التي تدرك أن التأخر عن أفريقيا قد يعني مستقبلاً خسارة أسواق ومصالح استراتيجية، وربما التأثير في الأمن المائي والغذائي والتجاري والعسكري.

ولهذا توسعت القاهرة في علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية مع عدد من الدول الأفريقية، وبرز حضور القطاع الخاص والشركات المصرية في قطاعات مختلفة.

وهنا ينبغي للسوداني أن يطرح السؤال:

أين السودان من هذا التنافس؟

السودان يقع في قلب هذه الجغرافيا

يمتلك السودان موقعاً يربط شمال أفريقيا بشرقها، والبحر الأحمر بوسط القارة، كما يملك الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والمعادن والمياه والموانئ والطرق التي يمكن أن تجعله مركزاً تجارياً ولوجستياً مهماً.

لكن المفارقة أن الدولة التي تمتلك كل هذه المزايا تحولت إلى ساحة صراع، بينما تتسابق القوى الإقليمية والدولية على اقتسام النفوذ حولها.

السودان بين وحدة الأرض وتقاطع المصالح

ضمن هذه الرؤية الإقليمية والقارية، تبرز أهمية السودان التاريخية والجغرافية.

كما تبرز في الداخل السوداني تصورات ومشروعات سياسية واقتصادية مختلفة، من بينها ما عُرف بمشروع «مثلث حمدي»، وما ارتبط به من نقاش حول توزيع التنمية والموارد ومراكز الثقل داخل السودان.

وهنا يجب التفريق بين مشروعات إعادة توزيع السلطة والثروة داخل الدولة وبين مشاريع تفكيك الدولة نفسها.

فمصر، من منظور أمنها القومي، لديها مصلحة واضحة في بقاء السودان موحداً، لأن تفكك السودان يمكن أن يخلق واقعاً جيوسياسياً جديداً على حدودها الجنوبية، ويزيد من تعقيدات الأمن المائي والحدودي والهجرة والسلاح والتجارة.

لكن الحفاظ على وحدة السودان لا يعني بالضرورة أن جميع القوى الخارجية تتعامل مع السودان بالطريقة نفسها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى:

قد تتفق دول متنافسة على ضرورة بقاء السودان موحداً، لكنها تختلف بشدة حول من يملك النفوذ داخله، ومن يسيطر على موارده، ومن يحدد اتجاهاته السياسية والاقتصادية.

وهذا هو جوهر «لغة المصالح».

البحر الأحمر: الجغرافيا التي لا تسمح بالحياد

البحر الأحمر ليس مجرد شريط مائي بالنسبة للسودان.

إنه أحد أهم الممرات التجارية والاستراتيجية في العالم، ومن يملك تأثيراً في موانئه يستطيع أن يمتلك جزءاً من معادلة الأمن والتجارة في المنطقة.

ولهذا أصبحت الموانئ والجزر والسواحل السودانية جزءاً من التنافس الإقليمي والدولي.

السعودية والإمارات ومصر وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية لديها مصالح متفاوتة في البحر الأحمر، إلى جانب القوى الدولية الكبرى.

ومن هنا فإن الحديث عن السودان لا يمكن فصله عن الحديث عن البحر الأحمر.

فالمعركة على السودان ليست فقط معركة على السلطة في الخرطوم، وإنما يمكن أن تكون، في أحد أبعادها، معركة على الموقع والموارد والموانئ وطرق التجارة ومستقبل الإقليم.

وهذا يجعل السودان أمام خطر شديد:

أن يتحول من دولة صاحبة قرار إلى جغرافيا تتنافس عليها الدول صاحبة القرار.

حلايب مثال على الفرق بين الخطاب والمصلحة

في قضية حلايب وشلاتين تظهر إحدى أكثر صور العلاقة تعقيداً بين الخطاب السياسي والمصلحة الاستراتيجية.

فبينما تستمر الخلافات حول السيادة، تتحرك المصالح الاقتصادية والأمنية والاستثمارية في المنطقة والبحر الأحمر وفق حسابات أخرى.

وهنا يجب أن نفهم أن الدول قد تتنافس على ملف، وتتعاون في ملف آخر.

قد تختلف مصر والسعودية والإمارات في بعض الملفات، لكنها قد تتفق في ملفات أخرى عندما تلتقي مصالحها.

فالخصومة في السياسة الدولية ليست بالضرورة خصومة شاملة، والتحالف ليس بالضرورة تحالفاً مطلقاً.

وهذه قاعدة يجب أن تكون حاضرة في قراءة الموقف من السودان.

التحالفات المتغيرة

السودان اليوم ليس أمام محور واحد.

هناك مصالح مصرية، وسعودية، وإماراتية، وتركية، وإثيوبية، وتشادية، وليبية، ودولية تتقاطع داخله.

وقد تختلف هذه الأطراف حول شكل الدولة السودانية ومستقبل الحكم، لكنها تتفق في شيء واحد تقريباً:

لا أحد يريد أن يخسر السودان بالكامل.

والسبب أن خسارة السودان تعني خسارة موقع استراتيجي هائل.

وهنا تظهر المفارقة:

الدولة السودانية التي يفترض أن تكون صاحبة المصلحة الأولى في هذه الجغرافيا أصبحت أضعف الأطراف تأثيراً فيها.

وهذا هو الخطر الحقيقي.

الإسلاميون والعلاقة مع مصر

ولا يقتصر الأمر على المحيط الخارجي، بل يمتد إلى العلاقات مع القوى السياسية السودانية.

وقد ظلت العلاقة بين مصر والتيارات الإسلامية السودانية موضوعاً معقداً ومتناقضاً، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والتاريخية.

ومن الخطأ قراءة هذه العلاقة من زاوية الأيديولوجيا وحدها.

فالدول لا تتعامل دائماً مع الحركات السياسية باعتبارها أصدقاء أو أعداء، وإنما باعتبارها أدوات محتملة للتأثير أو التفاوض أو احتواء الخصوم.

والإسلاميون السودانيون أنفسهم مروا بتحولات كبيرة منذ الاستقلال، وانتقلوا من المعارضة إلى السلطة ثم إلى فقدانها، وأصبح موقعهم الحالي مرتبطاً بالحرب وبالصراع على مستقبل الدولة.

لذلك فإن السؤال ليس فقط:

هل مصر مع الإسلاميين أم ضدهم؟

بل السؤال الأهم:

متى تكون مصلحة مصر مع الإسلاميين؟ ومتى تكون ضدهم؟ ومتى تصبح المصلحة المصرية أكبر من أي اعتبارات أيديولوجية؟

وهنا تعود بنا السياسة إلى قاعدتها الأساسية:

المصلحة قبل الشعارات.

لغة العداء لا تلغي لغة المصالح

في أوقات الحرب ترتفع لغة العداء.

يصبح كل طرف حليفاً أو عدواً، وطنياً أو خائناً، مع الثورة أو ضدها، مع الجيش أو ضده.

لكن الدول لا تعمل بهذه الثنائية.

الدولة قد تتفاوض مع عدوها، وقد تشتري من خصمها، وقد تستثمر في دولة تختلف معها سياسياً، وقد تدعم طرفاً في ملف وتعارضه في ملف آخر.

ولهذا فإن قراءة السياسة المصرية أو السعودية أو الإماراتية أو الإثيوبية من خلال سؤال «مع من؟» فقط لا تكفي.

السؤال الصحيح هو:

ما المصلحة؟ وما الثمن؟ وما البديل؟ ومن يملك أوراق الضغط؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الشعارات.

السودان في غرفة التشريح

السودان اليوم يبدو كأنه في «غرفة تشريح».

كل قوة خارجية تحاول أن تعرف أين توجد مصلحتها.

قوة تبحث عن الميناء.

وأخرى تبحث عن الذهب.

وثالثة تبحث عن الزراعة.

ورابعة تبحث عن الأمن المائي.

وخامسة تبحث عن الطريق التجاري.

وأخرى تبحث عن النفوذ السياسي.

لكن المشكلة ليست في أن تبحث الدول عن مصالحها؛ فهذا طبيعي في العلاقات الدولية.

المشكلة أن السودان نفسه لا يمتلك حتى الآن استراتيجية وطنية موحدة للدفاع عن مصالحه.

وهنا يكمن أصل الأزمة.

فإذا كانت مصر تخطط لأمنها القومي، والسعودية تخطط لمصالحها في البحر الأحمر، والإمارات تخطط للاستثمار والموانئ، وتركيا تخطط لنفوذها الإقليمي، وإثيوبيا تخطط لمياهها وأمنها، والصين تخطط لطرق التجارة، والقوى الغربية تخطط لأمن الممرات والطاقة والمعادن؛

فمن يخطط للسودان؟

ومن يضع شروط الاستثمار؟

ومن يحدد شكل العلاقات الخارجية؟

ومن يحمي الموانئ؟

ومن يقرر مستقبل الموارد؟

ومن يمنع تحويل السودان إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين؟

الخلاصة: لا عدو دائم ولا صديق دائم

إن أخطر ما يمكن أن يفعله السوداني هو أن يقرأ السياسة الدولية بعاطفة.

ليس كل من يرفع شعار دعم السودان صديقاً، وليس كل من يختلف مع الحكومة السودانية عدواً.

الدولة التي تقدم المساعدات قد تكون لها مصالح.

والدولة التي تستثمر قد تكون لها مصالح.

والدولة التي تقدم السلاح لها مصالح.

والدولة التي تتوسط في السلام لها مصالح.

حتى الدولة التي تعارض تقسيم السودان قد تفعل ذلك لأنها ترى في وحدة السودان مصلحة لأمنها القومي.

وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه المصالح تتطابق مع المصالح السودانية.

وهنا تحديداً يجب أن تتأسس السياسة الخارجية السودانية الجديدة.

نحن لا نحتاج إلى كراهية مصر ولا إلى تقديسها.

ولا نحتاج إلى معاداة السعودية ولا إلى الارتهان لها.

ولا إلى رفض الإمارات ولا إلى فتح السودان أمامها بلا شروط.

ولا إلى الارتماء في أحضان أي محور دولي.

نحتاج إلى دولة تعرف مصالحها.

دولة تفاوض الجميع.

وتختلف مع الجميع عندما تختلف مصالحها.

وتتعاون مع الجميع عندما تتقاطع مصالحها.

وتمنح الاستثمار وفق القانون.

وتحمي الميناء وفق السيادة.

وتدير الموارد وفق المصلحة الوطنية.

وتضع علاقتها بمصر في إطار الندية.

وعلاقتها بدول الخليج في إطار المصالح المتبادلة.

وعلاقتها بأفريقيا في إطار الانتماء الجغرافي والمصلحة المشتركة.

وعلاقتها بالقوى الدولية في إطار التوازن لا التبعية.

فالمطلوب ليس أن يبحث السودان عن أصدقاء جدد، وإنما أن يتوقف عن صناعة الأعداء بسبب ضعف الدولة، ويتوقف في الوقت نفسه عن صناعة الأصدقاء على حساب مصالحه.

إن السودان لا يحتاج إلى من يحبه.

السودان يحتاج إلى دولة تجعل الآخرين يحترمون مصالحه لأنهم يعرفون أن لها ثمناً.

وهنا فقط تنتقل العلاقة مع الخارج:

من لغة العداء... إلى لغة المصالح.

ومن سياسة رد الفعل... إلى سياسة الفعل.

ومن ساحة للصراع الإقليمي... إلى دولة تصنع جزءاً من المعادلة الإقليمية.

فالدول لا تحميها النوايا الحسنة، وإنما تحميها قوة الدولة، ووحدة قرارها، ووضوح مصالحها، وقدرتها على التفاوض، وامتلاكها لأوراق القوة.

والسؤال الذي يجب أن يسبق كل نقاش سوداني حول الخارج ليس:

من معنا؟ ومن ضدنا؟

بل:

ماذا نريد نحن؟

علينا أن نحارب ونتخلى عن عقلية العداء للآخر في الداخل والخارج، وإعادة صياغة وعينا ورؤيتنا لحالنا بعيداً عن تبرير فشلنا بالهروب إلى الأمام والهجوم على الخارج.

الصين تمت محاربتها بأشد أنواع الأسلحة تدميراً للبشر قبل قرنين بسلاح الأفيون. ولم يتباكوا على ماضيهم وحضارتهم، ولم يهربوا من مسؤوليتهم؛ بل هزموا سلاح الأفيون عندما واجهوا أنفسهم وحددوا العدو الداخلي: تجار الأفيون، وقضوا عليهم وعلى تجارة الأفيون.

ونحن منذ سبعين عاماً، ما أحوجنا إلى أن ندرك أصل الفشل فينا: عسكريون وسياسيون ونخب حققوا مصالحهم ومصالح الأجنبي، فالخلل متوطن ومتمكن فيهم.

وأغراهم وشجعهم الإفلات من العقاب.

وظلوا دوماً يشكلون قوى لإجهاض ثورات الشعب، من مغامرين عسكريين ونخب وأحزاب، ومارسوا التضليل، وادعوا الوطنية والكمال، وعلقوا فشلهم المتكرر على التآمر الخارجي، الذي هم أدواته وعصاته.

لا يوجد شعب في التاريخ جاءت نهضته وتقدمه بهبة ومنحة من الخارج أو بدون صراع وتآمر خارجي وداخلي، حوله إلى تحدٍ وصنع منه النصر المؤزر.

هذه قوانين الطبيعة والمجتمعات البشرية، ولن تتغير سنن الكون ولا مصالح الدول وعلاقاتها بالعاطفة والشعارات والعبارات الدبلوماسية، وإنما بالندية والتعاون المتكافئ.

فالسلطة التي تعجز عن إدارة مواردها وتوظيفها لخدمة شعبها، وليس فئات أو طبقة معينة، فإن ملاذها الوحيد التفريط والهدر مقابل البقاء في السلطة.

وبدلاً من نجاح ثورات الشعب السوداني، كانت المحصلة دائماً الإجهاض، لأن قوى التخريب ظلت دوماً في مأمن من العقاب والمحاسبة والقصاص، وذات المراكز السلطوية والرأسمالية تعيد دورة إنتاج الدكتاتورية.

ولعل أبلغ شاهد على ذلك ما يجري في مناطق سيطرة حكومة تأسيس، التي تمثل، وفق رؤية الكاتب، النسخة المسلحة من الثورة.


أفريقيا بالعربي