توافد 4 وفود دولية إلى الخرطوم خلال أيام.. ماذا وراء الحراك الدبلوماسي بشأن السودان؟
توافد 4 وفود دولية إلى الخرطوم خلال أيام.. ماذا وراء الحراك الدبلوماسي المتسارع بشأن السودان؟
الخرطوم – أفريقيا بالعربي
تشهد العاصمة السودانية الخرطوم حراكًا دبلوماسيًا متسارعًا، مع توافد عدد من المبعوثين والوفود الدولية رفيعة المستوى خلال أيام قليلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنهاء الحرب، بالتزامن مع تحركات سودانية لإطلاق حوار سياسي حول مستقبل البلاد.
وخلال الفترة من 6 إلى 12 سبتمبر 2026، استقبلت الخرطوم أربعة تحركات دبلوماسية بارزة، شملت زيارة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، ووفد الآلية الخماسية بشأن السودان، والمبعوث البريطاني الخاص للسودان ريتشارد كراودر، إلى جانب الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لمنطقة القرن الأفريقي آنيت ويبر.
ويطرح هذا النشاط سؤالًا مهمًا: هل بدأت الخرطوم تتحول إلى مركز جديد للحراك الدولي بشأن الحرب السودانية، أم أن الزيارات تأتي ضمن مساعٍ دبلوماسية متكررة لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى وقف إطلاق النار؟
الحرب ووقف إطلاق النار في مقدمة أجندة المبعوثين
رغم اختلاف الجهات التي يمثلها المبعوثون والوفود الزائرة، فإن الحرب في السودان وتداعياتها الإنسانية والسياسية كانت حاضرة في لقاءاتهم مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، وعدد من المسؤولين السودانيين.
وتناولت اللقاءات، وفق ما أوردته وسائل إعلام رسمية ومستقلة، ملفات تتعلق بالهدنة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، إلى جانب البحث عن مسار سياسي يمكن أن يقود إلى تسوية تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الملفات السودانية المطروحة على الساحة الدولية، ومن بينها مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في الحرب، إلى جانب المقترح الأميركي داخل مجلس الأمن بشأن توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل بقية السودان.
الآلية الخماسية تصل إلى الخرطوم لأول مرة
وتبرز زيارة الآلية الخماسية المعنية بالسودان باعتبارها واحدة من أهم محطات الحراك الدبلوماسي الأخير، كونها تمثل تجمعًا دوليًا وإقليميًا يضم:
- الأمم المتحدة.
- الاتحاد الأفريقي.
- جامعة الدول العربية.
- الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد».
- الاتحاد الأوروبي.
وتسعى الآلية إلى تنسيق الجهود الدولية والإقليمية المرتبطة بوقف الحرب والوصول إلى تسوية سياسية، في ظل تعدد المبادرات والوسطاء الذين يعملون على الملف السوداني.
وتأتي هذه الزيارة في توقيت لافت، خصوصًا بعد تعثر مسارات وساطة أخرى، من بينها الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، وسط اعتراض الحكومة السودانية على مشاركة الإمارات، التي تتهمها الخرطوم بدعم قوات الدعم السريع، وهو اتهام تنفيه أبوظبي.
لجنة الحوار السوداني أمام اختبار جديد
ويتزامن الحراك الدولي مع تحرك داخلي تقوده لجنة تهيئة الأجواء للحوار السوداني، التي تسعى إلى جمع القوى السياسية حول عملية حوار داخل السودان تبحث قضايا الحكم ومستقبل العملية السياسية.
وقال الناطق باسم اللجنة عثمان ميرغني إن توافد المبعوثين يمكن أن يمثل مؤشرًا على انتقال جانب من النشاط المرتبط بالأزمة السودانية إلى الداخل.
ويرى ميرغني أن الاهتمام الدولي والإقليمي المتزايد بالخرطوم قد يساعد اللجنة في إقناع القوى السياسية الموجودة خارج السودان بالمشاركة في حوار داخل البلاد.
لكن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع سياسي، إذ أعلنت قوى سياسية مواقف متحفظة أو رافضة للمشاركة في العملية، ومن أبرزها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
هل تستعد الخرطوم لمرحلة ما بعد الحرب؟
يرى وزير الخارجية السوداني السابق علي يوسف أن تكثيف الزيارات يمثل تطورًا مهمًا يمكن أن يدفع جهود إنهاء الحرب إلى الأمام.
وبحسب رؤيته التي نقلها تقرير «الشرق الأوسط»، فإن القيادة العسكرية ترى أن الحرب تقترب من مراحلها الأخيرة، في وقت تحمل فيه الأطراف الدولية رؤى مختلفة بشأن التطورات العسكرية والسياسية.
كما أشار إلى أن ملف إعادة إعمار السودان بدأ يحضر ضمن التحركات المحلية والإقليمية والدولية، مع وجود مؤشرات على استعداد بعض الأطراف لمرحلة ما بعد الحرب.
ويظل ملف إعادة الإعمار مرتبطًا بشكل مباشر بمسار الحرب، إذ إن الوصول إلى استقرار سياسي وأمني سيكون شرطًا أساسيًا أمام عودة الاستثمارات والمساعدات الدولية ومشروعات إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب.
قراءة أخرى: لماذا هذا التوقيت؟
في المقابل، لا يرى جميع السودانيين في الحراك الدولي الأخير مؤشرًا إيجابيًا بالضرورة.
ونقل التقرير عن وزير خارجية سوداني سابق، طلب عدم الكشف عن اسمه، مخاوفه من أن يعيد النشاط الدبلوماسي الحالي إلى الأذهان الحراك الدولي الذي سبق اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
ويرى الدبلوماسي السابق أن الدول والمنظمات المنخرطة في الملف السوداني تتحرك وفق مصالحها وأجنداتها، داعيًا الحكومة السودانية إلى التعامل بحذر مع المبادرات والوفود الدولية مع الحفاظ على القنوات الدبلوماسية والمصالح السودانية.
كما أبدى مخاوف من أن تسعى بعض الأطراف إلى إعادة قوات الدعم السريع إلى المشهد السياسي، وهو تقييم سياسي منسوب إلى الدبلوماسي السابق وليس موقفًا مثبتًا لجميع الأطراف الدولية.
عودة إيغاد إلى الخرطوم بعد أكثر من عامين
ولا يقتصر الحراك على زيارات سبتمبر، إذ سبق أن شهدت الخرطوم في نهاية يوليو الماضي زيارة وفد من إيغاد برئاسة سكرتيرها التنفيذي ورقنه قبيهو، لبحث جهود إنهاء الحرب، بالتزامن مع الإعلان عن استئناف المنظمة عملها من الخرطوم.
وتكتسب عودة إيغاد أهمية خاصة، بعدما أعلن السودان في يناير 2024 تجميد عضويته في المنظمة، احتجاجًا على دعوة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» للمشاركة في قمة المنظمة في أوغندا.
ومن ثم فإن عودة نشاط إيغاد من الخرطوم، إلى جانب زيارة الآلية الخماسية وتكثيف تحركات المبعوثين الأممي والبريطاني والأوروبي، تعكس ارتفاع مستوى الاهتمام الدولي المباشر بالملف السوداني.
ماذا وراء توافد المبعوثين؟
يمكن قراءة الحراك الدبلوماسي الأخير من خلال عدة ملفات متداخلة:
أولًا: وقف الحرب، إذ لا تزال الحرب هي الملف الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمجتمع الدولي، خصوصًا مع استمرار الأزمة الإنسانية.
ثانيًا: حماية المدنيين، مع تزايد المطالب الدولية بوقف الانتهاكات وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
ثالثًا: المسار السياسي، في ظل تحركات لجنة تهيئة الحوار ومساعي القوى الدولية لإيجاد صيغة سياسية للأزمة.
رابعًا: الملفات الدولية الجديدة، وعلى رأسها قضية الأسلحة الكيميائية ومقترح توسيع حظر السلاح.
خامسًا: مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك إعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة والنشاط الاقتصادي.
الخرطوم أمام مرحلة دبلوماسية مختلفة
وبينما تتعدد المبادرات الدولية والإقليمية لإنهاء الحرب، فإن تزامن هذه الزيارات مع تحركات الحوار الداخلي يضع الخرطوم أمام مرحلة جديدة من النشاط الدبلوماسي.
لكن كثافة الزيارات وحدها لا تعني أن اتفاقًا سياسيًا أصبح قريبًا، خصوصًا مع استمرار الخلافات حول شكل التسوية، والجهات التي ستشارك فيها، وشروط وقف إطلاق النار، ومستقبل قوات الدعم السريع، وشكل الحكم في المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح الحراك الدولي الجديد في تحويل الخرطوم من ساحة للحرب إلى مركز للتفاوض وصناعة التسوية، أم أن تعدد المبادرات سيضيف مسارًا جديدًا إلى ملف شديد التعقيد؟
مصدر الخبر: الشرق الاوسط
أفريقيا بالعربي

الانضمام إلى المحادثة